محمد بن الطيب الباقلاني
47
إعجاز القرآن
ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما تتصرف إليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة ، ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها ، على وجه يؤخذ باليد ، ويتناول من كثب ، ويتصور في النفس كتصور الاشكال ، ليتبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن . واعلم أن من قال من أصحابنا : إن الاحكام معللة بعلل موافقة لمقتضى العقل - جعل هذا وجها من وجوه الاعجاز ، وجعل هذه الطريقة دلالة فيه ، كنحو ما يعللون به الصلاة ، ومعظم الفروض وأصولها . ولهم في كثير من تلك العلل طرق قريبة ، ووجوه تستحسن . وأصحابنا من أهل " خراسان " يولعون بذلك ، ولكن الأصل الذي يبنون عليه عندنا غير مستقيم . وفى ذلك كلام يأتي في " كتابنا في الأصول " . وقد يمكن في تفاصيل ما أوردنا من المعاني الزيادة والافراد ، فإنا جمعنا بين أمور ، وذكرنا المزية المتعلقة بها ، وكل واحد من تلك / الأمور مما قد يمكن اعتماده في إظهار الاعجاز فيه . فإن قيل : فهل تزعمون أنه معجز ، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه ، أو لأنه عبارة عنه ، أو لأنه قديم في نفسه ؟ قيل : لسنا نقول بأن الحروف قديمة ، فكيف يصح التركيب على الفاسد ؟ ولا نقول أيضا : إن وجه الاعجاز في نظم القرآن [ من أجل ] أنه حكاية عن كلام الله ( 1 ) ، لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عز وجل معجزات في النظم والتأليف . وقد بينا أن إعجازها في غير ذلك . وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة بنفسها ومنفردها ، وقد ثبت خلاف ذلك .
--> ( 1 ) س : " عن الكلام القديم "